الثقة الدولية تُبنى بوجود مؤسسات رقابية، وقواعد واضحة، وشراكات معلنة، وممارسات قابلة للتحقق، ومن هنا تتجلى قيمة الكلمات السعودية في المحافل الدولية، فهي تضع المنجز في سياقه، ولا تعلن الحقوق فقط، وإنما تؤسس مشروعيتها، ولا تطلب من العالم أن يثق بالمملكة، بل تقدم له من الوقائع والمؤسسات والممارسات ما يجعلها جديرة بهذه الثقة..
أعادت كلمة سمو وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان، أمام المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، النقاش حول توجهات المملكة إلى أرض الوقائع، وقدمت بصوت واضح سياسة دولة تعرف ما تملكه، وما تريد بناءه، والأسس التي تستند إليها في ممارسة خياراتها التنموية.
وتبلورت أهمية الكلمة في التفاصيل الفنية التي تضمنتها، وفي قدرتها على تقديم المشروع السعودي ضمن صورة متكاملة تجمع بين تنمية الاقتصاد، واستثمار الموارد الطبيعية، وتنويع مصادر الطاقة، والالتزام بالمسؤوليات الدولية.
وبهذا الطرح، واجه سموه كثيرًا من القراءات المجتزأة والتفسيرات التي تحاول إخراج خيارات المملكة من سياقها الاقتصادي والتنموي، دون الدخول في سجال معها، إذ تكفلت الحقائق بإظهار الفارق بين مشروع معلن تحكمه المؤسسات، وتأويلات تقوم على الافتراض والانتقائية.
لقد وضع سمو وزير الطاقة التحول العالمي المتسارع في سياقه الصحيح، فالتوسع في التقنيات الرقمية والصناعات المتقدمة يرفع الطلب على الطاقة الموثوقة والمستمرة، كما يزيد الحاجة إلى المعادن الاستراتيجية الداخلة في الصناعات التقنية، وإلى اليورانيوم المستخدم وقودًا لمحطات الطاقة النووية، ومن هنا، فإن توجه المملكة نحو الطاقة النووية السلمية لا يمكن فصله عن توسع اقتصادها، ولا عن سعيها إلى بناء مزيج أكثر تنوعًا واستدامة لمصادر الطاقة.
وهذه الرؤية لا تتعامل مع الطاقة النووية باعتبارها خيارًا سياسيًا طارئًا، وإنما مكونًا من مكونات أمن الطاقة والتنمية الصناعية، فالمملكة التي رسخت عبر عقود موقعها باعتبارها مصدرًا موثوقًا للطاقة وشريكًا فاعلًا في استقرار أسواقها، تعمل اليوم على توسيع قدرتها، بحيث تضيف إلى مزاياها الحالية مصادر جديدة تدعم الاقتصاد، وتواكب نمو الطلب، وتعزز استدامة الإمدادات.
وفي جانب آخر، لم تُقدم الكلمة ما تتمتع به المملكة من معادن وموارد يورانيوم بكونها ثروة جيولوجية مجردة، بل باعتبارها أساسًا لسلسلة قيمة وطنية تبدأ من الاستكشاف والتعدين، وتمر بالمعالجة والفصل والتكرير، وصولًا إلى المنتجات ذات القيمة الاقتصادية والصناعية الأعلى، وهذا هو الفارق بين دولة تكتفي باستخراج مواردها، ودولة تعمل على تحويل تلك الموارد إلى صناعة ومعرفة ووظائف وقدرة استراتيجية.
وتكمن أهمية هذا التوجه في أن المنافسة العالمية لم تعد على امتلاك المعادن وحده، وإنما على تقنيات معالجتها والتحكم في سلاسل إمدادها، ولذلك جاء الربط بين موارد المملكة، وبنيتها التحتية، وإمداداتها التنافسية من الطاقة، وقدراتها الاستثمارية، وشراكاتها الدولية، ليقدم نموذجًا اقتصاديًا متكاملًا لا يقف عند تصدير المواد الخام، وإنما يسعى إلى تعظيم قيمتها داخل الاقتصاد الوطني.
أما الرسالة الأكثر أهمية، فتمثلت في تثبيت حق المملكة، شأنها شأن الدول الأطراف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، في تطوير الطاقة النووية واستخدامها للأغراض السلمية دون تمييز، ولم تطرح الكلمة هذا الحق منفصلًا عن المسؤولية، وإنما قدمته مقرونًا بالشفافية والانفتاح والتعاون الدولي.
ومن هنا جاء الحديث عن اتفاق الضمانات الشاملة، وإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتطوير الأنظمة الرقابية الوطنية، ورفع جاهزية الاستجابة للطوارئ النووية والإشعاعية، وترسيخ ثقافة الأمان والأمن النوويين، إلى جانب الشراكات الدولية واتفاقية التعاون مع الولايات المتحدة في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
هذه التفاصيل ليست إضافات فنية إلى الخطاب، بل هي أساس الحجة السعودية؛ لأن الثقة الدولية تُبنى بوجود مؤسسات رقابية، وقواعد واضحة، وشراكات معلنة، وممارسات قابلة للتحقق. وبهذا جمعت الكلمة بين وضوح الحق، وصلابة الحجة، وموثوقية الممارسة.
وهنا تتجلى قيمة الكلمات السعودية في المحافل الدولية، فهي تضع المنجز في سياقه، ولا تعلن الحقوق فقط، وإنما تؤسس مشروعيتها، ولا تطلب من العالم أن يثق بالمملكة، بل تقدم له من الوقائع والمؤسسات والممارسات ما يجعلها جديرة بهذه الثقة.. دمتم بخير.