مشكلة الحوثي أنه يتعامل مع الجغرافيا اليمنية كمنصة لمشروع إقليمي، لا وطنًا لمواطنين لهم حقوق، لذلك، فإن كل صاروخ يطلقه نحو منشأة مدنية سعودية يحمل رسالة أخرى إلى الداخل اليمني ممثلة في تأجيل الرواتب، وتأجيل الخدمات، وتأجيل السياسة، غير أن التأجيل لا يلغي الاستحقاق؛ فالجماعات المسلحة قد تهرب إلى الأمام زمنًا، لكنها لا تستطيع أن تبني شرعية مستدامة خارج سؤال الحكم..
الهجمات الحوثية الأخيرة على المدن والمنشآت المدنية والاقتصادية في جنوب المملكة ليست جولة عسكرية جديدة، وإنما محاولة لتغيير موضوع الأزمة نفسها، فعندما تعجز سلطة الأمر الواقع عن تقديم إجابات لمجتمعها، يصبح الصاروخ وسيلة لإزاحة السؤال من الداخل إلى الخارج، بدل أن يسأل اليمني عن راتبه وغذائه وأمنه، يُطلب منه أن يصطف خلف معركة تُدار باسمه، بينما يدفع كلفتها مرتين؛ مرة في معيشته، وأخرى في مستقبل بلاده.
الهجمات التي طالت أبها وجازان ونجران وخميس مشيط، وأوقعت عشرات الإصابات، من بينها نساء وأطفال، تكشف مأزقًا في توظيف القوة، فالسلاح الذي يُفترض، وفق خطاب الجماعة، أنه يحمي اليمن، يُستخدم في توسيع دائرة الخطر حوله، واستدعاء ردود فعل عسكرية، وتعطيل فرصة التسوية التي منحت اليمنيين منذ هدنة 2022 قدرًا من الانخفاض النسبي في المواجهات العابرة للحدود.
هذا السلوك لا ينفصل عن الإطار الإقليمي الذي يمنح الجماعة السلاح والخبرة وسردية “المحور”، لكنه لا يصح أيضًا اختزال الحوثيين في كونهم أداة تتحرك آليًا. فهم يوظفون الارتباط بإيران لخدمة مشروع سلطة محلي، كما توظفهم طهران لزيادة كلفة الضغط على خصومها، وتفسر هذه العلاقة المتبادلة لماذا يُستدعى التصعيد كلما ضاقت خيارات الجماعة، فهو يرفع قيمتها التفاوضية إقليميًا، ويعيد ترتيب الخلافات الداخلية تحت أولوية المواجهة، ويتيح لها المطالبة بثمن سياسي واقتصادي مقابل التهدئة، لكن تحويل المدنيين والمنشآت إلى أوراق تفاوض يكشف عجز الجماعة عن تحقيق مكاسبها عبر السياسة.
هنا يظهر معنى “الهروب إلى الأمام”، فالجماعة لا تندفع إلى مواجهة الخارج فحسب، بل تتخذها وسيلة للهروب من استحقاقات الحكم في المناطق التي تسيطر عليها، ولم يعد ممكنًا، بعد أكثر من عقد على السيطرة على صنعاء، تفسير كل إخفاق باعتباره أثرًا للحرب وحدها، فالسلطة التي تجبي الضرائب والزكاة والجمارك والإتاوات، وتعيد تشكيل الاقتصاد لخدمة شبكاتها، مطالبة بأن تفسر لماذا بقي مئات الآلاف من الموظفين بلا رواتب منتظمة، ولماذا تتسع دائرة الجوع، ولماذا تتراجع الخدمات بينما تستمر الموارد في التدفق نحو التعبئة العسكرية والأمنية والأيديولوجية.
وتشير تقديرات إنسانية حديثة إلى أن 22 مليون يمني يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة، وأن 18.3 مليونًا يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، وهذه ليست أرقامًا منفصلة عن القرار السياسي؛ إنها ميزانٌ لأولويات السلطة، وعندما تعترف قيادة الجماعة أن بعض اليمنيين باتوا يعيشون على وجبة واحدة أو يلجؤون إلى أوراق الشجر، ثم تحصر المسؤولية كلها في الخارج، فإنها تتهرب من السؤال الأهم: أين ذهبت موارد المناطق الخاضعة لسيطرتها؟
التصعيد، بهذا المعنى، يؤدي ثلاث وظائف داخلية: يوحّد الصف بالخوف، ويمنح الأجهزة الأمنية مبررًا لتضييق المجال العام، ويعيد إنتاج شرعية الجماعة باعتبارها حركة مقاتلة لا سلطة مسؤولة، فالحرب تعفيها مؤقتًا من عقد اجتماعي لا تريد الوفاء به؛ لأن منطق الميليشيا يقوم على الطاعة والتعبئة، بينما منطق الدولة يقوم على الخدمة والمساءلة وتداول الأولويات.
لكن هذه المقامرة تحمل تناقضها في داخلها، واستهداف الجماعة للأعيان المدنية لا يبدل موازين القوة لمصلحتها، بل ينقلها، في نظر المجتمع الدولي، من طرف يمكن إدماجه في تسوية يمنية إلى تهديد عابر للحدود يطال المدنيين والطاقة والممرات البحرية، كما أنه يمنح المجتمع الدولي سببًا إضافيًا لربط الملف اليمني بأمن الطاقة والتجارة الدولية، ويضعف قدرة الجماعة على تقديم مطالبها الاقتصادية باعتبارها مطالب إنسانية خالصة.
في المقابل، تكمن قوة الموقف السعودي في ألا يسمح للحوثي باختيار قواعد المواجهة أو جر المنطقة إلى الحرب التي يحتاجها، حماية المدنيين والسيادة حق لا يقبل المساومة، لكن الرد الأكثر فاعلية هو الذي يجمع بين الردع المحسوب، وعزل الجماعة سياسيًا، وكشف اقتصادها الحربي، والمحافظة على نافذة تسوية تجعل مصلحة اليمنيين معيارها، من دون أن تتحول إلى مكافأة لمن يحتجزهم داخل معادلة السلاح.
المشكلة أن الحوثي يتعامل مع الجغرافيا اليمنية كمنصة لمشروع إقليمي، لا وطنًا لمواطنين لهم حقوق، لذلك، فإن كل صاروخ يطلقه نحو منشأة مدنية سعودية يحمل رسالة أخرى إلى الداخل اليمني ممثلة في تأجيل الرواتب، وتأجيل الخدمات، وتأجيل السياسة، غير أن التأجيل لا يلغي الاستحقاق؛ فالجماعات المسلحة قد تهرب إلى الأمام زمنًا، لكنها لا تستطيع أن تبني شرعية مستدامة خارج سؤال الحكم.. دمتم بخير.