في عالم تتزايد فيه أهمية الممرات البحرية كركائز للاقتصاد العالمي، تبدو المملكة العربية السعودية اليوم في موقع من يسهم في صناعة الاستقرار، باعتباره هدفاً وطنياً، ومسؤولية دولية تتجاوز حدود الجغرافيا إلى مستقبل النظام الاقتصادي العالمي..
في لحظات التحول الكبرى في النظام الدولي، لا ترتبط قوة الدول بما تمتلكه من قدرات عسكرية فحسب، بل بقدرتها أيضاً على صناعة الأطر المؤسسية التي تمنح الاستقرار للمجالات الحيوية. ومن هذا المنظور، يعكس إعلان المملكة العربية السعودية تأسيس التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات في 30 يوليو 2026، ثم تعيين اللواء البحري الركن عبدالله بن سالم الشهري قائداً له، تحولاً في فلسفة الأمن الإقليمي، في الانتقال إلى منظومة أمن جماعي مستدامة، تتجاوز إطارات الأزمات.
يأتي التحالف في توقيت مفصلي يشهد فيها العالم إعادة رسم خرائط النفوذ البحري، فالممرات المائية الاستراتيجية أصبحت محوراً للتنافس الجيوسياسي، بعد أن أثبتت الأزمات المتلاحقة أن أمن الاقتصاد العالمي يبدأ من أمن البحار، ضف على ذلك، أن البحر الأحمر ومضيق باب المندب لم يعدا ممرين للتجارة الدولية، بل تحولا إلى أحد أهم مفاتيح الاستقرار الاقتصادي العالمي، بالنظر إلى ما يمر عبرهما من تجارة وإمدادات للطاقة وسلاسل لوجستية تربط الشرق بالغرب.
وتكمن أهمية المبادرة السعودية في أنها تقدم مقاربة مختلفة للأمن البحري، تقوم على المسؤولية الجماعية لا على موازين القوة وحدها، فالأهداف المعلنة للتحالف، من حماية حرية الملاحة وتأمين خطوط التجارة وإمدادات الطاقة، إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية وتنفيذ التمارين المشتركة، تعكس فهماً حديثاً لطبيعة التهديدات البحرية التي لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، بل تشمل الإرهاب البحري، والقرصنة، والهجمات على البنية التحتية البحرية، والتهديدات السيبرانية التي تستهدف منظومات الملاحة والموانئ.
كما أن تركيبة الدول المؤسسة تمنح التحالف بعداً استراتيجياً يتجاوز الإطار الجغرافي المباشر، فاجتماع دول الخليج مع الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، إلى جانب تركيا وبا ستان وبنغلاديش ونيجيريا، يخلق شبكة تعاون تمتد من الخليج العربي إلى القرن الأفريقي وجنوب آسيا، بما يعزز مفهوم الأمن البحري باعتباره مسؤولية مشتركة للدول المرتبطة بمصالح اقتصادية واستراتيجية في هذه المنطقة الحيوية.
وتحمل طبيعة التحالف، بكونه إطاراً دفاعياً غير موجه ضد أي طرف، دلالة سياسية لا تقل أهمية عن أبعاده العسكرية، فالمملكة تؤكد من خلال هذه المبادرة أن أمن الممرات البحرية لا ينبغي أن يكون ساحة للاستقطاب، وإنما مساحة للتعاون الدولي واحترام القانون الدولي وحرية الملاحة، وهذه المقاربة تمنح التحالف شرعية سياسية وقانونية، وتفتح المجال أمام انضمام دول أخرى تشترك في الأهداف ذاتها، بما يعزز مرونته واستدامته.
ومن زاوية أوسع، تعكس المبادرة تطوراً في الدور السعودي على المستوى الإقليمي والدولي، فالمملكة، بما تملكه من ثقل سياسي واقتصادي وموقع جغرافي محوري، أصبحت تسهم في صياغة ترتيبات أمنية تستجيب لمصالح المنطقة، وتنسجم في الوقت نفسه مع متطلبات استقرار الاقتصاد العالمي، وهذه المقاربة تتسق مع رؤية سعودية ترى أن التنمية المستدامة والاستثمار والازدهار لا يمكن أن تزدهر في بيئة يفتقد فيها الأمن البحري إلى العمل المؤسسي والتنسيق متعدد الأطراف.
ويبقى نجاح التحالف مرتبطاً بقدرته على تحويل أهدافه إلى منظومة عملياتية متكاملة، عبر بناء قيادة فعّالة، وتعزيز قابلية التشغيل البيني بين القوات البحرية، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، والاستثمار في التقنيات البحرية الحديثة، بما يضمن سرعة الاستجابة وكفاءة التنسيق في مواجهة التحديات المتغيرة.
إن التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات يتجاوز منظور خارطة التعاون العسكري، إلى بداية مرحلة جديدة في هندسة الأمن البحري الإقليمي، تقوم على الشراكة والثقة وتقاسم المسؤولية.
وفي عالم تتزايد فيه أهمية الممرات البحرية كركائز للاقتصاد العالمي، تبدو المملكة العربية السعودية اليوم في موقع من يسهم في صناعة الاستقرار، باعتباره هدفاً وطنياً، ومسؤولية دولية تتجاوز حدود الجغرافيا إلى مستقبل النظام الاقتصادي العالمي.