إن بناء المستقبل النووي للمملكة يبدأ من مؤسسة مستقلة، وكادر مؤهل، وقرار مبني على المعرفة، ومجتمع يفهم الفرق بين الإشعاع والخطر، وحين تجتمع هذه العناصر، تصبح التقنية النووية أداة تنمية وسيادة، وليس مصدرًا جديدًا للطاقة..
فتحت حلقة الدكتور خالد بن عبدالعزيز العيسى، الرئيس التنفيذي لهيئة الرقابة النووية والإشعاعية، في بودكاست سقراط، النافذة على ملف يتقاطع فيه العلم بالسياسة، والتنمية بالسيادة، والتقنية بالثقة العامة، وتكمن أهميتها في المعلومات التي قدمتها، ومحاولتها إخراج المجال النووي من أسر الصورة الذهنية التي ربطته طويلًا بالقنابل والكوارث، وإعادته إلى موقعه الحقيقي كمنظومة معرفية وتنظيمية واقتصادية متكاملة.
أحد أهم المفاهيم التي رسختها الحلقة أن وجود الإشعاع لا يعني بالضرورة وجود خطر؛ فالخطر تحدده الجرعة ومستوى التعرض ومدته، وقد تبدو هذه حقيقة علمية متخصصة، لكنها تحمل دلالة أوسع في إدارة الشأن العام؛ إذ إن المجتمعات لا تواجه المخاطر بالانطباعات، وإنما بالقياس والمعرفة والقدرة على التمييز بين وجود الظاهرة وبين تحولها إلى تهديد، ومن هنا تتضح قيمة المؤسسات الرقابية التي لا تكتفي برصد الخطر بعد وقوعه، وإنما تبني خطوط الأساس، وتراقب المتغيرات، وتنتج المعرفة اللازمة لصناعة القرار.
كما أعادت الحلقة تعريف دور هيئة الرقابة النووية والإشعاعية، فهي ليست مؤسسة تنتظر بناء مفاعل حتى تبدأ عملها، وإنما تمثل جزءًا من البنية السيادية التي يجب أن تسبق أي برنامج نووي، وتشمل مسؤوليتها تنظيم الممارسات الإشعاعية في الطب والصناعة، ومراقبة المصادر المشعة وحركتها، والاستعداد للطوارئ، والوفاء بالالتزامات الدولية المتعلقة بالأمن النووي والضمانات ومنع الانتشار، وهذا المعنى مهم؛ لأن الدول لا تدخل العصر النووي بمجرد امتلاك المنشآت، بل بقدرتها على بناء القانون والمؤسسة والكوادر والثقافة التي تضبط التقنية وتحمي المجتمع.
وفي السياق السعودي، كشفت الحلقة أن المشروع النووي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره سباقًا لبناء المفاعلات، أو مقارنة زمنية مع تجارب الدول الأخرى، فالطاقة النووية قرار يمتد أثره إلى الصناعة والتعدين وتوطين التقنية وبناء الكفاءات وتأمين الإمدادات، ولذلك، فإن السؤال الأهم هنا: ما القيمة الاستراتيجية التي تريد المملكة إنتاجها من البرنامج النووي، وما النموذج الذي يحقق هذه القيمة بأعلى درجات الكفاءة والاستدامة؟
ومن الدلالات المهمة التي أظهرتها الحلقة أن البرامج النووية لا ترتبط بإيقاع الإعلانات أو المقارنات الزمنية بين الدول، وإنما بقدرة كل دولة على بناء مسار متكامل يراعي احتياجاتها، وجدواها الاقتصادية، وجاهزيتها التنظيمية والبشرية والتقنية، فالتدرج في هذا النوع من المشروعات يجسد مسؤولية الدولة في اختيار النموذج الأكثر ملاءمة لمصالحها بعيدة المدى؛ لأن القيمة الحقيقية للبرنامج النووي لا تكمن في الوصول إلى المفاعل أولًا، بل في بناء منظومة وطنية قادرة على امتلاك المعرفة، وتوطين التقنية، وإدارة المخاطر، وتعظيم العائد التنموي والسيادي.
وفتحت الحلقة كذلك ملفًا شديد الحساسية يتعلق بعدالة النظام الدولي لمنع الانتشار النووي، فعندما تُطالب الدول المنضمة إلى المعاهدة بالشفافية والضمانات، بينما تبقى برامج أخرى خارجها من دون المساءلة نفسها، فإن النقاش يصبح متعلقًا بازدواجية المعايير وتوازنات القوة.
كما أضاءت الحلقة على تعقيد منظومة عدم الانتشار النووي، التي تسعى إلى الموازنة بين منع انتشار الأسلحة، وضمان حق الدول في تطوير الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ضمن أطر واضحة من الشفافية والرقابة والضمانات الدولية، وتظل فاعلية هذه المنظومة مرتبطة بقدرتها على ترسيخ الثقة، وحماية الحقوق المشروعة للدول، وتحويل التعاون النووي السلمي إلى أداة للاستقرار والتنمية، بعيدًا عن الاستقطاب والمنافسات الجيوسياسية.
أما الدلالة الاتصالية الأبرز، فتتمثل في أن التواصل مع الجمهور جزء من منظومة الأمان النووي نفسها، فخلال الأزمات الإقليمية لا يكفي أن تعمل شبكات الرصد بصمت أو أن تكون بياناتها متاحة في المواقع الإلكترونية؛ لأن الفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغًا، وإنما تملؤه الشائعات والتفسيرات المبالغ فيها، وقد لا تتطلب كل واقعة إصدار تحذير، لكنها قد تتطلب رسالة تؤكد استمرار الرصد وعدم وجود مؤشرات تستدعي القلق.
جاءت الحلقة الختامية من سقراط لتناقش موضوعًا يختبر وظيفة الإعلام في أكثر صورها أهمية: هل يكتفي بنقل المخاوف، أم يسهم في تحويلها إلى معرفة؟ لقد أوضحت الحلقة أن بناء المستقبل النووي للمملكة يبدأ من مؤسسة مستقلة، وكادر مؤهل، وقرار مبني على المعرفة، ومجتمع يفهم الفرق بين الإشعاع والخطر، وحين تجتمع هذه العناصر، تصبح التقنية النووية أداة تنمية وسيادة، وليس مصدرا جديدا للطاقة.. دمتم بخير.